القرطبي

371

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم . وهو كالحر عندهم في تجاوز الميقات ، بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الاحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما . فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي ، ولا شئ عليهما في ترك الميقات . قوله تعالى : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى " فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى - قال ابن العربي : هذه آية مشكلة ، عضلة من العضل . قلت : لا إشكال فيها ، ونحن نبينها غاية البيان فنقول : الاحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة ، ف‍ " جملة " أي بأي عذر كان ، كان حصر عدو أو جور سلطان أو مرض أو ما كان . واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأول : قال علقمة وعروة ابن الزبير وغيرهما : هو المرض لا العدو . وقيل : العدو خاصة ، قاله ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي . قال ابن العربي : وهو اختيار علمائنا . ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن " أحصر " عرض للمرض ، و " حصر " نزل به العدو . قلت : ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده ، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا : الاحصار إنما هو المرض ، وأما العدو فإنما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور ، قاله الباجي في المنتقى . وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة ، على ما يأتي . وقال أبو عبيدة والكسائي : " أحصر " بالمرض ، و " حصر " بالعدو . وفي المجمل لابن فارس على العكس ، فحصر بالمرض ، وأحصر بالعدو . وقالت طائفة : يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي ، حكاه أبو عمر . قلت : وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه " أحصر " فيهما ، فتأمله . وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو . قال القشيري أبو نصر : وادعت الشافعية أن الاحصار يستعمل في العدو ، فأما المرض فيستعمل فيه الحصر ، والصحيح أنهما يستعملان فيهما . قلت : ما ادعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه . قال الخليل : حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته ، وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه ،